الشيخ محمد الصادقي

مقدمة 3

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

ف " من قرأ القرآن ولم يخضع له ، ولم يرق قلبه عليه ، ولم يغش حزنا أو وجلا في سره ، فقد استهان بعظم شأن اللّه ، وخسر خسرانا مبينا ، فقارئ القرآن يحتاج إلى ثلاثة أشياء : قلب خاشع ، وبدن فارغ ، وموضع خال ، فإذا خشع للّه قلبه فر منه الشيطان الرجيم ، وإذا تفرغ نفسه من الأسباب تجرد قلبه للقراءة ، فلا يعترضه عارض فيحرمه نور القرآن وفوائده ، وإذا اتخذ مجلسا خاليا ، واعتزل من الخلق بعد أن أتى بالخصلتين الأوليين استأنس روحه وسره باللّه ، ووجد حلاوة مخاطبات اللّه عباده الصالحين ، وعلم لطفه بهم ، ومقام اختصاصه لهم ، بقبول كراماته ، وبدائع إشاراته ، فإذا شرب كأسا من هذا المشرب ، فحينئذ لا يختار على ذلك الحال حالا ، وعلى ذلك الوقت وقتا ، بل يؤثره على كل طاعة وعباده ، لأن فيه المناجاة مع الرب بلا واسطة ، فانظر كيف تقرأ كتاب ربك ، ومنشور ولايتك ، وكيف تجيب أوامره ونواهيه ، وكيف تمتثل حدوده ، " وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ " ، فرتّله ترتيلا ، وقف عند وعده ووعيده ، وتفكر في أمثاله ومواعظه ، واحذر أن تقع من إقامتك حروفه في إضاعة حدوده " « 5 » . بلى " وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ " ( 7 : 17 « 6 » « 7 » ) فالكتاب : القرآن ، هو الذي تمسّك به كافة النواميس ، كأصل أصيل يرجع إليه كل وارد وشارد ، ويميز به كل غثّ عن سمين ، وكل خائن عن أمين ، حتى يعرف الأصيل عن الفصيل . يجد القارئ في هذا " البلاغ " ترجمة تفسيرية عن الذكر الحكيم ، وهي على اختصارها بيان عن تفاصيل معانيه ، محكمات جميلة ، فاصحة واضحة ، دون تحميل على القرآن ، ولا تجميل أو توجيه ، فإنه بنفسه جميل وجيه ، تجد فيها مختصرا غير محتصر عما فصلناه في " تفسير الفرقان " إضافة إلى استدراكات ، ثم لا تجد فيها أي تفسير للقرآن إلا بالقرآن ، لغات وكلمات وجملات ، مما يدل على أن فيه نفسه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد ، فالحقّ أقول : إن القرآن لأنه بيان ونور وتبيان لا يحتاج في نفسه إلى تفسير من غيره ، اللهم إلا أن نفسر أنفسنا ، كشفا عن غشاوات فطرية - عقلية - علمية - اجتهادية - تقليدية ، أماهيه من عوامل داخلية أو خارجية ، نفسر أنفسنا لنستفسر القرآن ، بما يستكشف معانيه ومغازيه ، من لغة وأدب وتدبر صالح في آياته البينات ، نظرا في الآية نفسها ، كما تهدي إليه لغتها المستفادة من القرآن نفسه ، ثم إلى آيات قبلها وبعدها ، حيث التأليف مقصود رباني من اللّه بوحيه ، ثم إلى سائر الآيات التي تنحوا منحاها ، وإلى سبح طويل بصالح التقوى ، بعيدا عن كل طغوى ، متوسلا بوسائل وصائل ، استنباطا لمعانيه كما يريد اللّه ، واللّه هو الهادي إلى سبيله ، نعم المولى ونعم النصير ، لكل بصير حسير غير حصير . قم المشرّفة : محمّد الصّادقي الطّهراني . تليفون - 934425

--> ( 5 ) . مصباح الشريعة عن الإمام الصادق عليه السّلام . ( 6 ) . رقم السّورة ( 7 ) . رقم الآية